مشاهدة النسخة كاملة : تفاصيل أخرى للعشق


ايمن البرنس
10-02-2009, 09:40 AM
تفاصيل أخرى للعشق

قال لها: أنا بعيد جداً.
مدن كثيرة تمتد بيننا، وموجٌشاسعٌ بين أعيننا، مع ذلك أسمع صوتكِ، فتكونين معي. وحين أمشي على ضفّة البحيرةتكونين معي أيضاً.
أشعر أنه يكفي أن أحرّك أصابعي لألمس أصابعكِ وأشمعطركِ.
أو لأحضن قامتك الرهيفة.
غصّت، ولم تقل شيئاً. كانت عاجزة عن الكلامأمام غول المسافة القابع بينهما. أبعدت السماعة قليلاً كي لايسمع نحيب شوقها،وتمزّق أنفاسها.
"أتسمعينني؟ "
"تنهدت. ألا تراني؟. إني أهزّ رأسي".
كانالشوق مستبداً. طاغياً. لكنها تدرك تماماً، أن الحياة بلا شوق كالجسد بلا روح. الشوق يجعل الحياة رحبة، والأمنيات يانعة. يجعل لألواننا فضاء، ولعطورنا قيمة. ولوجودنا معنى.
"أجل. ها أنا أراك عبر الأسلاك، وعبر المسافة وعبر الزمان، أراكبثوبك الكحلي الذي ينساب على جسدك الجميل.. اسمعي"
ابتسمت. "لماذا تأمرني؟ "
"آه. أبداً. الشوق هو الذي يأمر. غداً عيد الحب. أريد أن أحتفل به من أجلك. أريد أن أقدّم لك الورد، لكن كيف والمسافة تفتح شدقيها.. ذبلت من الغياب".
كادتتبكي. ماأسرع أن تنهمر دموعها، وتكاد تقول له، أنا التي ذبلتُ من الغياب ومنالانتظار. ذبلت من الوقوف على الشرفة ومن اللهفة بانتظار رنين الهاتف. لكنها آثرتالصمت. لاتريد أن تعرّي وجعها ولا أن تسبب له الأرق "الحب تضحية".
"الحبّ هوالذي بلا مقابل. لاثمن للحب أبداً.. إلا الحب.. "
-ألو
أتسمعينني؟! ألو. هلانقطع الخطّ؟ وإذ ترد بصوت منكسر يرش أوامره بسرعة كي لايفضحه الحزنويبتلع صوته "اذهبي إلى بائع الزهور، ألا يوجد بائع زهور في المدينة؟ اشتري وردةجورية حمراء ملفوفة على عطرها، ضعيها في كأس ماء، أمامك، على الطاولة، أو قرب فنجانقهوتك الصباحية. واكتبي إهداء سريّاً جداً خوف عيون الجدران والجيران وستائر المنزل -"منّي.. إليك" وأرجو أن تسمعي موسيقا النهر الخالد لعبد الوهاب. موافقة؟! "
لمترد. كانت الذكريات حارقة، والشوق طاغٍ. إنه يتفجر فوراً عبر كل همسة تنساب.. عبركل حرف يسيل في خطوط الهاتف.. إذن الهواتف تفجّر الشوق. تجمد اللحظات. وربما شاركهاالحبر المنسكب في الرسائل والقصائد والروايات. الحبر الذي نستخدمه يثبت الزمن أكثرويمسك باللقاءات الهاربة. كم مرة كتبت له وإليه. ثبتت تفاصيل لقائه أو تفاصيل زعلأو تفاصيل شوق؟!
"أنت السبب ياحبيبتي"
"بل.. أنت..."
"انتبهي. الخطوطمراقبة.
"يعني كلام الشوق ؟! ثم ماذا يدفعناللكلام لولا الشوق. ليراقبوا، هل يحاكمون الورد على عطره؟ اسمع. اسمعوا. أنا مشتاقةإلى..." تضحك، ها أنا لاأكمل العبارة حتى يبقى الاسم سراً. عند ذلك سيجنّدون الجيوشوالورد للبحث عن الاسم.
يضحكان. هاهما يخرجان من حزن الشوق إلى أسئلة أكثررحابة.
"برأيك من المسؤول عن الحب؟"
"أظنه. القلب هو المسؤول"
"أليسالصوت؟ هو المجرم لأن يثير الزوابع والبراكين. يهدم جبلاً ويرفع آخر. يعلق حدائقويحرق غابات...؟"
ربما.. هي لاتستطيع أن تتخيله دون صوته، مرة استبد بها الحنينفذهبت إلى قريته. راحت تبحث عنه. لم تجده. هي تدرك بأنها لم تجده، وتعرف بأنه وراءالبحار يشرب القهوة الآن، أو يمشي في شوارع مكتظة بالورد. لكنّها كانت تبحث عنخطواته على الطرقات. عن وجهه على النوافذ. عن عينيه في عيون أهل القرية. شعرت أنهاتسمع صوته. يناديها، كادت تتهاوى فاستندت إلى أول شجرة سنديان وراحت تتلمسهابأناملها.. "هذه الشجرة تلمسها حبيبي وربما صعد إلى أعاليها كي يشدّ البحرإليه".
-آلو.. لمتستطع الرد. أجهشت بالبكاء. لم تعد قادرة على الاستمرار أكثر.
أهيالحياة هكذا تفنى بين وداع ووداع؟!!
... ... ...
الوردة في الكأس
الغرفةواسعة جداً.
الهاتف لايرن. إنه صامت، أخرس، يتحداها.
الوردة صامتة، تحدقبالجدران التي تفصلها عن الحدائق والشمس.
هل يحزن الورد؟
تساءلت المرأة التيتتكور في مقعدها الجلدي.
الصباح واسع، البرد واسع، والجسد ضيق جداً. شعرت أنروحها تطفو فوق حريق يتعالى. شعرت أنه عليها أن تحرق نظريات كثيرة كي تصنع قهوتهافي آخر الليل والمدينة نائمة.
الهاتف لايرن. ياه. كم من الأرواح معلقة علىأسلاكه؟ كم من الأيام تذوب عبر صوته؟
جرس الباب يرنّ، تستيقظ من نفسها، ترفعسماعة الهاتف، يالها من خيبة!.
إنه الباب ياسيدتي، تنهض، من الذي هناك؟!
... ... ...
الجسد ضيقٌ
الشوق واسع.
أقصد الحب يجعل الروح شاسعة، والقصيدةأكبر من مدينة. أقصد الحروف تضيق على الوجد.
"أبداً.. الجسد يعني أنت. الجسد معرفة. له لغة خاصة. إذا فقد لغته،يتحول المرء إلى حيوان. انظر حولك، كم من الحيوانات ترى؟ الذي قتل طفلة الجيران.
الذي أغلق باب دكانه على امرأة عجوز؟
الذي أطفأ عقله وإنسانيته في حيواناتالـ...."
"أعيدي ماقلتِ؟! "
"قلت: هي ترهات الشوق، الحلم، القتل. آه. أبعديدك عني. إنك تخنقني"
اليد ترتفع. اليد تمحو العقل أحياناً، اليد تنتزع القلبكنبتة برية أحياناً أخرى.
الوردة في الكأس، تحدق في الوجوه الغريبة التي تملأالغرفة "منّي.. إليك"
"مجنونة. تكتب إهداءات لنفسها".
تبكي الوردة. ألف عاموربما أكثر يحتاجون ليفهموا لغة الورد. نزع كبيرهم عمامته. فرشها على الأرض. ركع،وتمتم. خلع ثيابه.... العالم مجنون. العالم يقتل الورد. ماذا يبقى بعد ذلك؟
هل تنوب الأشواك عن الورد؟ الحجارة عن الحدائق؟ أيكفي أننكدس الرخام والإسفلت والكريستال والعمامات الملفوفة على الأفاعي لنكونسعداء؟
... ... ...
اليد..!!
يده.. وسادتي.
يده تطوق خصري.
يدي. تخربط شعره وقميصه وأزراره وجسده.
اليد..
تحمل السكين. تقطع الحلوى. تقطعالجسد. تصافح.
"يدك.. أحبّها"
يدانا... أصابع عشرة تتعانق في جيبواحد.
ماذا تفعلان؟!
"البرد ياسيدي"
كانا معاً. سارا تحت المطر. تعانقتالأصابع العشرة. رآهما الحارس.
أطلق صوته خلفهما. فرّا هاربين.
اليد! ترفعالوردة تمزق البطاقة "منّي..إليك" تفرط وريقات الوردة ورقة. ورقة. تتناثر البتلات،تملأ الغرفة.
"هيا.. انهضي. ادعسي بتلات الورد"
"ياإلهي.. ماذاتقول؟"
"أقول: دوسي بقدميك الجميلتين هذه الوردة اللعينة. أقول: ياامرأة. اخرجيمن باب الورد. ادخلي باب النار. اخرجي من حدائق الشوق ادخلي باب ... هيا. هانحن نفرش العمامات، هيا.."
... ... ...
أقول: ذبلت من الوقوف علىالأبواب
أقول: مات الورد.
تشهق "مابك؟"
هاهي تراه الآن على الطرف الآخر منالكرة الأرضية. يحرك يديه عبر آلاف الكيلو مترات ويطوقها. "كيف حال الوردة؟ تلعثمت. أرادت أن تقول شيئاً، لم تقدر، تودّ أن تبكي الآنبين يديه. أن تلقي برأسها في حضنه. يكرر السؤال، تقول هامسة: هذا ليس زمن الورد،إنه زمن الصقيع.
"كيف حال الوردة؟ هل اشتريت وردة وسمعت كلامي؟ "
"... آه..."
"الصوت بعيد. ارفعي صوتك"
" آلو.."
هي لاترد.
"ماتت الوردة،أليس كذلك؟"
انفجر غضباً. أعرف. البعد يجعل الورود تموت. كان من المفترض أن أدركذلك. وأن أدرك بأنك غير قادرة على الصبر وعلى تحمل الحبّ الكبير.
كاد يغلق الخط،لكنها أسرعت تقول. هم قتلوها. رصاص. نظريات. عمامات. صحارى تمتد. مارقٌ هذا الورد. مارقٌ هذا الشوق. و. انقطع الخط، لم يكتمل الحوار آلو. آلو.
... ... ...
تكورت من وطأة الخيبة.
تكومت كمعطف في مكانها. تذكرت: مع كلمة "تكوّم" تتخيل جسدها باقة ورد يتكوم في حضنه.
"لأنك تعيشين خوفاً متجذراً"
"ربما لأنيأشعر أنك الذي يحميني"
نظرت حولها. ظهر لها الهاتف كجثة جامدة. لاحسّ ولا حركة. حرّكت سمّاعة تستجديها أن تصرخ. أن تبكي. الخط مقطوع، الجهاز ميت، ركلته بقدمها. غطت وجهها بأناملها العشرة وراحت تنحني إلى الأمام، تنحني، تتكور، حتى اصطدم رأسهابركبتيها. شعرت أنها بدأت تتلاشى، لكن يداً ربتت على ظهرها. لم تتحرك، لم ترفععينيها، "بماذا تفكرين ياسيدتي؟ "
كان الصوت يعوي، يحشرج، يجرح كزجاج مكسور. لمترد. عاد الصوت يهدر "بالورد؟" قهقه الصوت "جميل الإهداء. منه. إليها"
ظلّتمكومة على نفسها "ماذا تخبئين؟ " كادت تصدق. أجل ماذا تخبئ في حضنها؟ وروده؟!وجهه؟! صوته؟! وأشياء كثيرة يمكن أن تتناثر أمامهم إذا نهضت الآن؟!
تكورت أكثر. اليد ربتت مرة أخرى ولكن بألم وفجور أكثر "بماذا تفكرين سيدتي الجميلة؟" قالت وهيماتزال منحنية "هذه أفكاري. هي تخصني وحدي ياسيد".لا الأفكار لاتخصّ الشخص وحده. ربما تفكرين بجعل المدينةحديقة. الأفكار ملك عام إلى أن يقولها صاحبها. قولي بماذا تفكرين؟"
ظلّت هادئة. صامتة، أخذت تحدق بالوردة، والوردة تحدق في الوجوه. اليد تمتد إلى رأس المرأة. يمسكبباقة الشعر. يرفع الرأس إلى أعلى.
"هنا انظري"
القطار يصفر. نوافذه تركض علىرؤوس الأشجار. هاهي تستعيد كل التفاصيل. الحياة تصنعها التفاصيل. الصداقة تصنعهاالتفاصيل. الحب يتجذر بالتفاصيل. تنهدت. كل يوم تسأله ماذا ترتدي؟ أي لون؟ ويسألهاماذا تفعل؟! ماذا ترتدي؟ من زارها. هل تناولت الطعام جيداً؟
شدّ رأسها ثانية. حدقت في الجدار المواجه. رأت لوحة ترتفع أمامها. اللوحة لطفلة تحمل حذاءها وتركضعلى الورق اليابس لشجرة كافور.
"اللوحة مؤثرة"
يسأل الرجل الآخر.
هي ترد: أجل:
"وأنتِ.. ؟!"
"أنا.. ؟!"
"ما الذي يقصّفك، كأغصان هذهالشجرة؟
كادت أن تقول له: الهاتف الصامت. الحوار الذي انقطع. أو ستختصر كل ذلكوتقول: الوردة. ولكن لماذا عليها أن تقول؟ أفكارها ملكها وحدها. يحدق الرجل بجرأةفي جسدها المختبئ تحت قميص أسود حريري 0
"قولي بماذا تفكرين؟ "
"... ... ..."
لكزها مرة أخرى.. "قولي"
المرأة تظلّ صامتة.
الرجل يقول بماذا تفكرين . هي، تتكور على أفكارها وجسدها وروحها. تشعر بأنها تخبئهفي حضنها كسرّ. كعطر. تسمع روحها تشكو وهو يردد "حبيبتي". تغمض عينيها لتراه أكثر. تتكوم بين ذراعيه "وحدك القادر على احتوائي" يضمها بقوة، تريد أن تبكي. "لماذا هذهالدموع؟" تجهش "لأني لا أقدر أن أثبّت الزمن. أمسك به. أدخله غرفتي فلا يهرب، لماذالم نلتق قبل الآن؟! "
"أأنت تهذين؟ قولي شيئاً مفيداً؟" .
نظرت بتحدٍ وجمر غضب يتطاير من صوتها "به.. أنا أفكر به"
"من؟ من به. ما اسمه؟ ألا يوجد له اسم؟"
"لايهم الاسم. أنا أسميه بكل الأسماء التيأحبّها"
"ماذا تقصدين؟"
"أقصد؟! أقصد الهاتف. أقصد. انقطع الحوار وهو فيالطرف الآخر من العالم"
"أقصد.. فقدت صبري يا امرأة"
"قلتُ: بماذا تفكرين؟"
يركلها. تقول: أفكر بعودة الخط لأكمل الحوار،الحوار يحولنا إلى بشرٍ.. أريد أن أتابع حواري الخاص، أفكاري الخاصة "قلت لك: لاأفكار خاصة" الذي يفيض، أرض الغرفة تصير بحيرة، الطفلةتعرجُ، ترتفع والأفكار تطفو كأسماك ميتة، بينما المرأة تعود إلى تكورهاكمعطف سقط عن جسد، تحدق بالأفكار وتنتظر الهاتف أن يرنّ

بسمة الامل
10-02-2009, 03:00 PM
لا اجد ما اقوله امام ما خطته اناملك
وامام ذائقتك الراقيه
ولكن سأكتفي بالصمت
لأنها قصه شاعريه

فعلا مست مشاعري كثيرا
دمت بروعتك عزيزي
تقبل مروري

sara
10-03-2009, 04:50 PM
روعة

وصلت الي النجوم

فعانقت السمـــــــــاء


اخى كلمـــــــــات

اصطادت حنين القلب

لك مني اعذب تحيــــــــــة

سلمت يمنــــــــــــاك

dodo
10-03-2009, 05:34 PM
طرح في غآية آلروعه

آنتظر جديدك


لك مني خآلص آلشكر وآلتقدير


آحترآمي